Photostudio 1552753591312 960x480

جمعية "شرتات" بجهة الداخلة وادي الذهب...حين يتحول العمل الجمعوي إلى مشروع شخصي مربح

Association dakhla 1

بقلم: د.الزاوي عبد القادر – كاتب صحفي و مدير المركز الأطلسي الصحراوي للأبحاث و تحليل السياسات


قالت العرب قديما "إذا حكم الأراذل هلك الأفاضل"، و هذا لعمري واقع الكثير من جمعيات المجتمع المدني بجهة الداخلة وادي الذهب، و على رأسهم جمعية "شرتات"، حيث تصدرت هذه الجمعية المحظوظة المشهد البائس, و حظيت بشكل مريب و غريب، بكم هائل من الحب و العطف و الحنان من طرف أركان السلطات المحلية و خصوصا في ظل حكم والي الجهة السابق مثير القلاقل و الفتن،


الوالي الذي أوصلهم الى درجة المقربين الذين تفرش لهم السجد و يبذل لهم الإحسان و يسهل لهم الإذن، و ينادى عليهم ليتصدروا المشهد و الشاشات في التدشينات الرسمية و الملتقيات الدولية و المؤتمرات الوطنية، حتى تصور بعضهم بأنه بات أقوى وجودا و نفوذا و شرعية من مؤسسة الوالي نفسه ممثل الملك و الدولة و المبوب فضله و أمره في الفصل 145 من الدستور المغربي،


لكن الطامة الكبرى و المصيبة العظمى هي "بروفيل" رؤساء هذه النوعية من الجمعيات، الذين اجتمع فيهم ما تفرق في غيرهم من العباد, من انعدام للمستوى الأكاديمي المرموق، و الكفاءات العلمية التي لا غبار عليها و لا تثريب، و الشواهد الجامعية العليا، فتجدهم فوارغ و أشباه متعلمين, بالكاد يستطيعون التفريق بين حرف الألف و الباء، إما هبوا من قاع العدم و التشرد و الهدر المدرسي, أو هبطوا من السماء بمظلات "أباك صاحبي" و مقولة أهل الصحراء الخالدة "اللي خوتو فالغزي ما ينبط فالخيام", أو صنعوا صنعا في الغرف المظلمة لحاجات في نفس يعقوب،


إن المتأمل المنصف لواقع عمل جمعية "شرتات" بهذه الربوع المالحة، لن يستطيع أن ينكر ما يعيشه من انحرافات صارخة عن تعريفاته ومفهومه ووظائفه وخصائصه, التي نظر لها قبل حوالي ثلاث قرون من الآن الفيلسوف الأمريكي "آدم فريستون" في كتابه "مقال في تاريخ المجتمع المدني" الصادر عام 1767م, و من بعده الفيلسوف الأنجلوسكسوني "توماس بين" في كتابه الشهير "حقوق الإنسان" ثم "هيجل" في كتابه "مبادئ فلسفة الحقوق" و"ماركس" و "انطونيو غرامشي", و الذين أتحداهم أن يكونوا قد سمعوا بهم من قبل، فما بالك بأن يكونوا قد اطلعوا على نظرياتهم و مؤلفاتهم،


اللهم إلا إذا استثنينا فئة قليلة من الجمعويين الجادين من شباب المدينة الواعي والمثقف، و بعض أصحاب الشواهد العليا و المهنيين الكادحين و الحقوقيين الصادقين, الذين ينشطون في هذا المجال بكل نزاهة وتفان ونكران ذات, ويعطون لهذا العمل النبيل أكثر مما يأخذون منه ماديا ومعنويا, و مع ذلك لا نسمع لهم ذكر أو تواجد في ساحة الولاية أو حتى بالقرب من سياجها الخارجي، منبوذين و مهمشين و "محكورين"، أما البقية الباقية الطاغية و المحظوظة و منها طبعا جمعية "شرتات" سالفة الذكر, فإنها لا ترى في العمل الجمعوي سوى طريقا سهلا للثراء السريع والارتزاق الشنيع و الورد من الريع, متخذتا إياه قنطرة سهلة العبور من أجل تحقيق أهداف و طموحات رؤسائها الشخصية, على حساب المصلحة العامة للساكنة،


محولين العمل الجمعوي، من عمل تطوعي راقي و إنساني نبيل يحمل في طياته معاني سامية، من نكران للذات وبدل للغالي والنفيس من أجل تحقيق أهداف تنموية و وطنية صرفة تعود بالنفع العميم على المواطن و على الوطن -أقول- حولوه الى الدجاجة التي تبيض ذهبا, واتخذوا من بعض الملفات الحساسة كمحاربة الفقر والمعاقين و قضية الصحراء الى آخر السلسلة البئيسة من الشماعات و الحق الذي يراد به باطل, باب للتسول المقنع، والارتزاق، والاغتناء السريع، و إثبات الوجود, و الإستفادة من الامتيازات الجليلة للأهل و الأحباب, من دعم مالي سخي و بقع تجارية "شوكة" و بطائق إنعاش للولدان و الأجنة في بطون أمهاتهم،


متسائلين و معنا شعب "الجريف" عن حصيلة ما قدمته جمعية "شرتات" سالفة الذكر لساكنة الجهة و بؤسائها منذ تأسيسها, و ما أسهمت به كما أدعت من تعبئة للمواطنين من أجل الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة؟ و أين هي أنشطة التكوين والتحسيس من أجل حماية البيئة التي أعلنت عنها في رزمانة أهدافها؟ و ما هي انجازاتها العظيمة بالأرقام في مجال محاربة الأمية والهشاشة والإقصاء الإجتماعي؟ و أين هي الأنشطة المدرة للدخل التي خلقتها؟ و أين هي التنمية المستدامة التي حققتها؟  أم أنه و كما يقال "اللسان ما فيهم عظم"،


قولا واحدا, إن العمل الجمعوي بهذه الربوع المالحة من وطننا الحبيب، في حاجة ماسة أكثر من أي وقت مضى الى إعمال القانون و تفعيل مبدأ المحاسبة الصارمة و العادلة، Association dakhla 1من أجل وضع حد لهذا الريع السرطاني الذي ينخر مقومات العمل الجمعوي الشريف, و يضرب قيم المجتمع المدني في الصميم، ويسمم إحدى أهم لبناته ألا و هي الجمعيات. وهذا النقد الذي قدمناه ليس دعوة للنفور من العمل الجمعوي أو انتقاصا من المجهودات الجبارة التي تبذلها العديد من الجمعيات الجادة من خلال ما تقدمه من خدمات جليلة للمجتمع و المواطن و الدولة، فالغرض من وراء كتابة هذه السطور هو تسليط الضوء على بعض الممارسات المشينة التي ترافق العمل الجمعوي النزيه و العصامي, و ذلك حتى يتسنى لنا المساهمة في تصحيح المسار و تطهيره من الطفيليات الآدمية التي يبقى همها الوحيد هو الاسترزاق ونهب المال العام تحت غطاء جمعوي مفضوح، 


و بهذه المناسبة, لا يفوتنا أبدا أن ننوه بوالي جهة الداخلة وادي الذهب الحالي "لمين بنعمر", الذي قطع نهائيا مع تلك العادة السيئة, و أنهى حقبة سوداء و سنة بغيضة, سنها الولاة قبله, تمثلت في تأسيس علاقات إنتهازية مع جمعية "شرتات" سالفة الذكر, على أسس الإرتزاق المواطن و الوطنية المأجورة، إنتهى الكلام.