Photostudio 1552753591312 960x480

الثرثرة في زمن الكورونا و ثورة التواصل البشرية

Photostudio 1585098421687 960x680

بقلم: د.الزاوي عبد القادر- كاتب رأي و مدير المركز  الأطلسي الصحراوي للإعلام و أبحاث مكافحة الفساد و تحليل السياسات

جائحة فيروس كورونا التي تجتاح العالم حاليا، اظهرت بشكل مثير و محزن كم نحن ثرثارون. كم البشر كائنات تافهة. كائنات تعتبر بحق وصمة عار في جبين المنظومة الايكولوجية الكونية. اظهرت كم كان التطور التكنولوجي في مجال الاتصالات نقمة على البشرية. كم كانت شبكات التواصل الاجتماعي اسوء اختراع عرفته الانسانية.

الكل ينشر و يهذي و يثرثر. الكل يصور و ينقل و يتواصل بشكل فوضوي رهيب و غير طبيعي. حالة هيستيريا يعيشها العالم، المتسبب الرئيسي فيها ليس وباء كورونا وحده، و لكن القنوات الفضائية و اجهزة التواصل الحديثة و شبكة الانترنت المفتوحة. برامج و محللين و مغردين و مدونين و تقارير و اخبار، و كم هائل من المعطيات و المعلومات تتقاذفه كائنات بشرية مجنونة بين القارات و الدول و المدن و القرى. هلع و خوف و ثرثرة لا حدود لها في مواجهة جائحة فيروسية، عرف الانسان مثيلات لها على امتداد تاريخ تواجده على كوكب الأرض، قتلت من قتلت و شفي منها من شفي و اكسبت اسلافنا ما يطلق عليه علماء البيولوجيا بمناعة القطيع.

ان الذي يجهله الكثير من الناس، هو ان الاوبئة الفيروسية ضرورة حتمية في دورات التطور الطبيعية التي تعرفها الكائنات الحية و الأنظمة الاحيائية على سطح الكوكب الازرق. إنها عملية إنتخاب طبيعية كانت و ستظل تمارسها الطبيعة الى قيام الساعة، و لن تنتهي ابدا ما دام هناك كوكب يسمى الارض و على سطحه تتواجد كائنات حية.

لقد فتكت بأسلافنا عبر ملايين السنين اوبئة لا حصرة لها من قبيل الطاعون و الكوليرا و الملاريا و الحصبة و الجذري و حمى الكلاب و طاعون الأبقار و داء الكلب و الحمى الصفراء و الجذام و حمى الضنك و البلهارسيا و اللائحة تطول. اوبئة فتاكة تجاوزها الجنس البشري بمآسيها و كوارثها بلا ثرثرة او إغراق المجتمع الانساني في موجة عبثية من الهذيان و التحليلات و التأويلات و سرد الروايات و الاشعار و المقالات و التأملات. تجاوزها البشر بطريقة صامتة و من خلال اتخاذ ما يلزم من اجراءات احترازية و طبية متوفرة، و ساعده في ذلك انعدام شبكات التواصل الحديثة و وسائل النقل العابرة للحدود و القارات، و إنعزال الشعوب القديمة.

و بالفعل، ما خلق الله شيئا عبثا في كونه العظيم، لذلك عملية خلق الفيروسات و الميكروبات و الكائنات المجهرية، حدثت في انسجام تام مع الآلية التي خلق بها الكائن البشري في جانبه البيولوجي، كما تتطابق في تفاصيلها المجهرية بشكل مذهل مع الطبيعة البيولوجية لخلايا الجسم البشري، إذ تمتلك شفرة وراثية جرى برمجتها من طرف الخالق القدير، للتفاعل و غزو و استعمار الخلايا البشرية للتكاثر و النمو، و كان الله سبحانه و تعالى قادرا على برمجة شفرتها الوراثية لتكون عاجزة عن غزو الجسم البشري و التكاثر داخله و إخضاع خلاياه الحية و التلاعب بكودها الوراثي.

ما يجهله أيضا الكثير من الناس، أن الفيروسات بصفة عامة ليست هي المسؤول المباشر عن الأضرار و الاعراض المدمرة التي تصيب الجسم البشري جراء الإصابة بالعدوى الفيروسية، و لكن المسؤول الرئيسي عنها هو جهاز المناعة في حد ذاته، الذي يتفاعل حسب البرمجة الإلهية مع الفيروسات الاجنبية بمهاجمة خلايا الجسم المصابة، و رفع درجة حرارة الجسم عن طريق إفراز مواد كيميائية خاصة، و إفتعال السعال و العطس و إنتاج المخاط في الأنف و الرئة لطرد الفيروس، و في الحالات المتقدمة من المرض يقوم بمهاجمة الكبد و الكلي و القلب، و يتسبب في توقف لجميع الاجهزة الحيوية، و الهدف هو منع الفيروسات من التكاثر بهذه الأعضاء الحيوية للغاية، و كأنما جهاز المناعة يختار تدمير الخلايا المصابة و إيقاف عمل الجسم، على أن تبقى تحت سيطرة الفيروس و تتحول إلى مصانع لإنتاجه، و بالتالي يكون الفرق بين النجاة و الموت هو مدى مقدرة أو عجز الجهاز المناعي عن وقف انتشار و تكاثر الفيروسات عند حدود معينة مقبولة حددها الله سبحانه و تعالى في معجزة خلقه للإنسان.

و طبعا الفيروسات في كودها الوراثي تعرف جيدا آلية عمل جسم الإنسان، لذلك هي تمتلك مجسات بروتينية خاصة مطورة تمكنها من شن هجوم صامت عن طريق الإلتصاق بالخلايا التي هاجمتها و تضليل الجسم من خلال منع التواصل مؤقتا بين الخلايا المصابة و جهاز المناعة، ثم بعد ذلك تقوم بنسخ الخبر الوراثي للخلية المصابة و تغييره فتتحول بذلك الخلية البشرية إلى مصنع صغير لإنتاج كميات ضخمة من الفيروس، لذلك جميع الأدوية الخاصة بمعالجة العدوى الفيروسية تبنى على قاعدتين رئيسيتين: أولهما كبح جماح جهاز المناعة و إضعافه حتى يتوقف عن مهاجمة خلايا الجسم بشكل فوضوي، و القاعدة الثانية: منع تكاثر الفيروس عن طريق منعه من استعمال مجساته البروتينية و ذلك عن طريق صناعة بروتينات خاصة تمنع إلتصاق مجسات الفيروس مع الخلية.

جائحة فيروس كورونا المستجد، رغم ما تسببت فيه من وفيات محزنة و أزمات صحية و إجتماعية و اقتصادية كارثية، تعتبر مجرد حلقة جديدة في حلقات الخلق و مسلسل التطور و الانتخاب الطبيعي المستمرة و إلى الأبد، حيث يجهل الكثيرين منا بأن البكتيريا و الميكروبات و الفيروسات تعتبر أقدم الكائنات الحية التي تواجدت عقب تشكل كوكب الأرض، و ظهرت مع ظهور أول الخلايا الأحادية على سطح الكرة الأرضية، أي قبل مليارات السنين، و ذلك وفق قانون طبيعي إلاهي يسمى: العائل و المعيل.

خلاصة القول، دعوا عنكم الثرثرة جانبا و معها القلق و الهلع، و غادروا شبكات التواصل الإلكترونية المدمرة و لو مؤقتا، و تدبروا في ملكوت الله و معجزة خلقه، و أذكروا الله كثيرا جهرا و في سركم، و طبعا لا تنسوا بأن تعزلوا أنفسكم في دياركم و مدنكم و قراكم، و أن تحترموا كل التوجيهات التي تصدرها سلطات الدولة المغربية، في إنتظار أن تمر الموجة الوبائية، و يتوصل العلماء إلى مصل فعال مضاد لهذا الوباء الفيروسي المستجد.

حفظ الله المغرب ملكا و شعبا من كل الشرور

حفظ الله شعوب العالم من هذا الوباء الفيروسي الفتاك