Photostudio 1552753591312 960x480

الكنتاوي: الريع الموجود في الصحراء جريمة أكبر من الانفصال

56379c6421f62

الداخلة بوست - أخبار اليوم

ما المقصود بالريع الذي باتت الدولة تعترف بوجوده، خاصة في أقاليم الصحراء؟

المقصود بالريع أو»التربح» بالصيغة المصرية هو المنافع المادية المتحصل عليها بفضل احتلال موقع سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي وبدون بذل الجهد وتحر للضوابط القانونية والشرعية الجاري بها العمل. وبصيغة أخرى الريع هو المنافع التي تجلب دون عناء ولا جهد مبذول، وتكون في الغالب جزاء على بيع ذمة أو سكوت عن حق، أو نصرة ظالم، أو تواطؤ على النهب…والريع أسلوب قديم لشراء الذمم، وكسب الولاء، يمارسه أهل النفوذ، وقد تلجأ إليه بعض الأنظمة والدول لتحقيق مآربها وخاصة لتوسيع دائرة نفوذها.

والريع يتخذ أشكالا عدة منها: المنح والعطايا دائمة النفع، ومنها الامتيازات خارج القانون، ومنها صور التحايل على أكل الميزانيات والعمل على خلقها، وتضخيم مبالغها، ووضع الصفقات العمومية على المقاس، وتوزيعها بحسب الولاءات والعلاقات، ومنها الحصول على الرخص والأراضي والقروض والسكوت عن أشكال التهريب والتهرب الضريبي…

ما الذي يميز الريع في الصحراء تحديدا؟

الريع المقصود في الأقاليم الصحراوية يمكن تقسيمه إلى شقين :الأول منهما والأكثر تداولا في وسائل الإعلام وحتى لدى الأوساط الشعبية هو المتمثل في تقاضي مجموعة من الأشخاص لراتب شهري بدون عمل يقابله، وينحصر هذا النوع في فئة ممن يسمون أشبال الحسن الثاني، وفي فئة من مستخدمي الإنعاش الوطني. وهذه الوضعية الشاذة التي يعتبر الصحراويون ضحية لها وليسوا مستفيدين منها؛ هي نتيجة للسياسات العمومية غير الملائمة المتبعة منذ سنة 1975، وكذلك لغياب قطاع خاص اقتصادي حقيقي مشغل ومنتج.

والنوع الثاني الذي اعتبره الأخطر والأهم، والذي يتم الحديث عنه باحتشام هو تبذير المال العمومي من طرف جماعات وجهات متعددة في شكل صفقات عمومية خاوية ومغشوشة، ينضاف إلى هذا موضوع الآلاف من الشركات الوهمية التي تشتغل بالشمال وتسجل مقرها الاجتماعي بالمنطقة، وتستفيد من ريع اقتصادي/ضريبي بملايير الدراهم يمتد إلى حدود هذه الساعة…

 ماذا عن رخص استغلال الثروات الطبيعية؟

طبعا هذا إلى جانب استنزاف الثروات البحرية من طرف شخصيات نافذة ولوبيات متسترة وراء أسماء شركات بأسماء يبتدئ جلها أو ينتهي بـ «فيش» دون أن تستفيد المنطقة منها أي شيء. فلا الناس شبعوا الحوت ولا هم اشتغلوا فيه بحيث يباع في أعالي البحار وتودع عائداته مباشرة في بنوك أجنبية أو تنقله الشاحنات – في حالة إذا ما تم الإفراغ بأحد الموانئ المحلية- في قوافل لا تتوقف ليل نهار.

والأدهى والأمر هو أن تعفى هذه البواخر والشركات من أداء أي ضريبة بحجة أنها تعمل بالمنطقة، مع العلم أن وجود أكثرها بالمنطقة شكلي بحيث إن البواخر تمخر أعالي البحار ومقر عملية معالجة الأسماك وبيعها وتصديرها يوجد بأكادير وآسفي والدار البيضاء ولا يسهم بأدنى شيء في تنمية الأقاليم الصحراوية..

هكذا يتبين لكم أن الريع الذي يتم الحديث عنه في كل وقت وحين، والذي يهم الأفراد والعائلات الصحراوية المغلوبة على أمرها لا يمثل إلا القليل، مقارنة مع ما يسرقه ويستنزفه ثلة من المتنفذين من أبناء الشمال بتواطؤ مفضوح مع شخصيات صحراوية نافذة أيضا.

من هم المستفيدون الحقيقيون من هذا الريع بمختلف مظاهره؟

المستفيدون كثر وعلى رأسهم شخصيات صحراوية نافذة تعتبر نفسها فوق القانون، وتستعمل موضوع الصحراء للتهديد والابتزاز؛ والوطنية الكاذبة التي لابد لها من المقابل، وهذه الشخصيات ما كان لها أن تتغول بهذا الشكل الواقع اليوم، لولا التواطؤ، بل الشراكة مع شخصيات ومسؤولين كبار من الإدارات المركزية والمحلية وجهات متعددة نافذة منذ 1975، مثال ملفات تموين مخيمات الوحدة منذ سنة 1991 إلى الآن، إذ يقتصر التعامل فيها على عائلات معروفة تبيع الإبل وتتولى نقلها إلى أكادير للوزن، ثم تعيدها للتوزيع على سكان المخيمات في مختلف المدن، وكان من الأولى أن تباشر الجهات المختصة هذه العملية على مستوى الأقاليم أو على الأقل بالجهات..

ما هو التهديد الذي يمثله الريع، والذي يتطلب القطيعة معه؟

مشكل الريع يعتبر أكبر تهديد للسلم الاجتماعي الذي تسعى الدولة إلى توطيده عشرات السنين، وما أحداث مخيم أكديم إيزيك منا ببعيد، الذي كان من أكبر أسبابه احتكار واستفادة مسؤولين وأعيان ومتنفذين، بعشرات البقع والمشاريع مقابل حرمان الساكنة الأصلية من النساء والشباب من بقعة أو سكن اجتماعي، بل أصبح الريع مرادفا للتحكم فباتت عائلات بعينها ترسم الخارطة السياسية والانتخابية لجماعات وجهات بأكملها، وتتوارثها سنوات، البعض منها منذ إنشائها، كأنها ملكية خاصة وقدرا مقدرا على الساكنة، بل تطور الأمر إلى اختراق الثقافة السياسية لدى المواطنين، فبات من الشائع أن تسمع بأن فلانا هو الدولة أو الدولة تريده….

أعتقد أن جريمة الريع والفساد تصل إلى الخيانة العظمى، وهي أكبر من جريمة الانفصال والإرهاب والإجرام، فهذه الجرائم الأخيرة أصحابها يمكنهم التوبة والرجوع، لكن المفسد الذي جريمته الريع فقد يكون أكل وتصرف بميزانيات لمدن وساكنة بأكملها وأجيال قادمة فما فائدة توبته.

* نائب برلماني منحدر من الصحراء