قراءة في خطاب الملك محمد السادس بمناسبة عيد العرش

30/07/2015  مقالات المركز

Sm le roi 0041

بقلم مدير المركز

هذا ما كنا نردده و لازلنا, فالمغرب "الديموكتاتوري" يريد أن يمارس الوصاية حتى على العقول و الإرادات و حرية الاختيار و الاعتقاد و التفكير , و يدعو لنفس ما تدعو له داعش و أخواتها وهي "الحرب بسم الدين".

فأن يدعو ملك المغرب رعاع القوم من ضعاف النفوس و العقول و الجهال في خطاب توجيهي خطير الى التمسك بوحدة المذهب المالكي "كواجب وطني و ديني" و أن يذكرهم بلغة التضحية "بالأرواح" التي قام بها على حد قوله المغاربة دفاعا عن هذه القيم, فهذه رسالة مرعبة  لحرب دينية تطهيرية قادمة على الأقليات الدينية الإسلامية بالمغرب.

 لقد كان ختام خطاب عيد العرش هذا اليوم فتوى خطيرة جبت و ناقضت كل ما قيل قبلها من كلام معسول عن حقوق الإنسان وكرامة المواطن و وفاء المغرب بالتزاماته الدولية في هذا الصدد, ستفسح المجال لا محالة أمام المتطرفين و المتزمتين من أبناء الشعب بأخذ زمام المبادرة و البدء في ممارسة صلاحيات قضاء الشارع التي خولها لهم هذا الخطاب صراحتا, لذلك لا تستغربوا إذا استفقتم صباح ذات يوم لا قدر الله على مأساة مشابهة لتراجيديا أقليات الروهينغا في ميانمار أو ما حصل من قتل و سحل للفقيه حسن شحاته في مصر أيام حكم الإخوان و السلفيين.

لقد أختلط الأمر على الملك في خطابه, و إلا فما علاقة التشبت بوحدة المذهب المالكي و تضحية المغاربة بأرواحهم في الحربين العالميتين الأولى و الثانية و الحرب الحالية على الإرهاب؟ فهل هذا يعني أن المغاربة حين كانوا يساقون كالبعير من طرف الاستعمار الفرنسي لمحاربة النازية في أوروبا كان ذلك دفاعا عن المذهب السني المالكي مثلا؟, و أين هو وجه الشبه بين هذه الحرب و الحرب الحالية على التطرف السني نفسه الذي تقوده داعش و التنظيمات التكفيرية الأخرى, ثم ما علاقة الانتماء الوطني بالانتماء المذهبي الديني الضيق؟ فهل المغرب دولة مدنية ديمقراطية تقوم على فكرة المواطنة كمبدأ ومرجعية دستورية وسياسية أم نحن بصدد نظام حكم ثيوقراطي على شاكلة الدولة الدينية التي سادت أوروبا لقرون طويلة في ظل هيمنة وسيطرة رجال الكنيسة.

إن المواطنة كفكرة اجتماعية و قانونية وسياسية ساهمت و لا تزال في تطور المجتمع الإنساني لا تلغي عملية التدافع والتنافس في الفضاء الاجتماعي بل و تضبطها بضوابط الوطن ووحدته القائمة على احترام التنوع وليس على نفيه، وتسعى بوسائل قانونية وسلمية للإفادة من هذا التنوع في تمتين قاعدة الوحدة الوطنية, و تضمن المساواة والعدل والإنصاف بين المواطنين أمام القانون وخدمات المؤسسات, و تعترف كذلك بالتنوع والتعدد العقدي والعرقي واللغوي والإيديولوجي والسياسي والثقافي والطائفي والاقتصادي والاجتماعي, وترتفع عنه في العلاقة بين المواطن والدولة، وتعمل على صون هذا التنوع والتعدد واحترامه مع توفير قنوات للمشاركة والتعاون والتكامل من أجل إثراء المضامين والمفردات المدنية والحضارية للمواطن والوطن معا.

لكن يبدو أن عقدة الدولة المغربية تتمثل في كلمة واحدة تسمى "الوحدة", فمن الوحدة الترابية بعيدة المنال مرورا بالوحدة الوطنية المشتهاة و آخرا و ليس أخيرا الوحدة المذهبية الدينية الجديدة, لكن حين يتعلق الأمر بقضية الامازيغ على سبيل المثال لا الحصر تجد الدستور المغربي يبوب لذلك في تصديره متحدثا بكل افتخار عن الوحدة الوطنية متعددة الروافد يقول نص الدستور في ذلك "المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتھا الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم وتنوع مقومات ھويتھا الوطنية، الموحدة بانصھار كل مكوناتھا، العربية الإسلامية، والامازيغية، والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدھا الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية...", ثم في الفصل الثالث نجد " الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية" , فلم يقل الدستور أبدا بأن المذهب المالكي مذهب الدولة الرسمي حتى يخرج علينا الملك بهذه الخاتمة اللادستورية في خطاب العرش للحديث عن وحدة مذهبية يدعو المغاربة لصونها و الحفاظ عليها كواجب مقدس,  في خرق واضح لا غبار عليه لبنود الدستور المغربي الذي استفتي عليه المغاربة و ارتضوه جميعا كوثيقة تعاقدية سامية بينهم و بين المؤسسة الملكية الحاكمة.

لذلك نحن بدورنا نوجه الأسئلة الحائرة التالية لمن يهمه الأمر : ماذا سيفعل الملك بمواطنيه الذين هم الآن على مذاهب إسلامية أخرى غير المذهب المالكي؟ هل سنشاهد مستقبلا في المغرب محاكم على نمط محاكم التفتيش في أوروبا خلال القرون الوسطى؟ ألهذا السبب تم إدراج فصل مثير و غريب في مسودة القانون الجنائي الجديد من قبيل " جريمة زعزعة عقيدة مسلم"؟ هل هذا يعني أن الدين عند الدولة منذ هذا الخطاب هو الإسلام الذي فهمه مالك و فقط؟

و في انتظار الإجابة على هذه التساؤلات الملحة و المقلقة, نريد أن نؤكد على أن المؤسسة الملكية في المغرب إذا كانت تتصور بأن دعوتها المباشرة للشعب بصيانة هذا المقدس الديني الجديد أي وحدة المذهب المالكي و افتداءه بأرواحهم و اعتباره واجب ديني و وطني, سيجعلها قادرة على ضمان تماسك الفسيفساء العرقية الهشة المشكلة للهوية المغربية على الأقل على المدى المتوسط في ظل ما تشهده دول المشرق العربي من مشاكل سياسية و صراعات طائفية ضربت النسيج الاجتماعي لهذه الدول في مقتل, فهي واهمة, و ليس أدل على ذلك من ما جرى في الجارة الجزائر قبل أسابيع من أحداث دموية شهدتها مدينة غرداية, أختلط فيه ما هو أثني بما هو ديني بين الامازيغ الاباضيين و العرب المالكيين رغم قرون طويلة من التعايش و التجاور و الوئام, و إن كنا نتفهم هذا الموقف الملكي الجديد خصوصا في ظل الظرفية الحالية و اللحظة التاريخية الحساسة التي يمر بها العمق الجيوستراتيجي للمغرب من جهة الشرق. لكن هذا لا يعني أبدا بأن الأوطان تحفظ و تصان بهذا النوع من الخطابات التحريضية التي تحرك النعرات العنصرية و الطائفية ضد فئات بعينها من المجتمع و تؤدي الى حالة خطيرة من الاستقطاب الحاد على أساس مذهبي عقدي قد يتحول في أي لحظة الى أعمال عنف و عنف مضاد يدخل البلد في أتون غلاغل و فتن هو في غنى عنها. فالوحدة الوطنية الجغرافية و السياسية و المجتمعية تبنى و تتقوى فقط من خلال الدولة الوطنية الديمقراطية. دولة الحرية و الحق والعدالة الاجتماعية و العدل والمساواة، هدفاً وغاية ومآلاً. دولة المواطنة المتساوية المعبرة عن إرادة الشعب الموحد بجميع مكوناته الإثنية والعرقية والدينية والمذهبية، والضامنة لحقوقه الطبيعية دون أي تمييز أو إقصاء.

فيصبح التنوع والتعدد في مكونات النسيج المجتمعي للوطن الواحد مصدر غنى ومنعة على الدوام ويمنح للبلد شخصيته المميزة وقدرته الفائقة على التطور والتجدد الحضاري عبر حقب التاريخ المتعاقبة.

إن الاستبداد الديني هو أخطر أنواع الإستبداد فرجل الدين ينطق باسم السلطان والسلطان المستبد يحتج بالقرآن ليبرر ما يفعله فيلجأ إلى تأويل النصوص الشرعية لتتناسب مع سياسته واستبداده فنشأ ما يعرف مجازا بالعهر السياسي والإرهاب الفكري والقمع وما يعرف بالحق المطلق ومحاولة إلغاء الآخر و هما لعمري أشد خطورة على وحدة الوطن من غيرهم. يقول سبحانه و تعالى في سورة البقرة " لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ" و في سورة الحجرات " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ".

إن المركز الأطلسي الصحراوي للدراسات الإستراتيجية و الأبحاث حول الساحل و الصحراء وهو يتابع بانشغال بالغ مآلات هذا الخطاب، يهيب بجميع القوى الوطنية الحية و النخب الأكاديمية المستنيرة تأكيد تمسكها الراسخ بحق الجميع في نيل حقوقهم على أساس المواطنة والانتماء لوطن واحد ترتقي فيه الصراعات ومفاهيم الأقلية والأكثرية إلى مستوى سياسي، ولا تنزل به إلى ما دونها.

إننا إذ نسجل اعترافنا بحقوق جميع المكونات المجتمعية المشروعة في اللغة والثقافة و حرية المعتقد فإننا أكثر تمسكاً بفكرة أن هوية الانتماء إلى الأوطان هي سابقة على أي انتماءات أخرى مهما كانت طبيعتها و أن الوطن للجميع و يسع الجميع لا فرق فيه بين مواطنيه بغض النظر عن الجنس والعرق والدين والمذهب.

قال تعالى في محكم تنزيله " وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ" صدق الله العظيم.