بين الصحراء و جنوب السودان و كردستان و إقليم كتالونيا...يعيش-يسقط حق تقرير المصير

Autodetermination sahara espagne

الداخلة بوست

بقلم:د.الزاوي عبد القادر – أستاذ باحث و كاتب صحفي

لنتخيل جميعا أن الحكومة السودانية إنتهجت نفس السياسة الحازمة, التي مارستها الحكومة الإسبانية حاليا, و ذلك من أجل مواجهة الدعوة لإنفصال إقليم الجنوب السوداني, و هو ما تم بالفعل عن طريق الإستفتاء الذي أقره الجنوبيون, وتكلل بانفصالهم فعلاً وإقامة دولتهم المستقلة, فهل يا ترى كانت الدول الغربية ساعتها, ستقف نفس الموقف الحالي من الأزمة الكتالانية؟

خلال الأزمة السودانية, كان الغرب "المنافق", يؤيد حق "أهل الجنوب" في تقرير المصير, باعتبار أن حق الانفصال, وإنشاء الجنوبيين لدولتهم الخاصة, هو من الحقوق المقدسة اللصيقة بالإنسان, التي لا يجوز لسلطة أن تتدخل فيها بالمنع, أو أن تفرض وحدة على غير رغبة الانفصاليين. ولا شك أن تمرير الانفصال الجنوبي بحماية و تواطئ غربي, جعل كثيرين في المنطقة يضعون أيديهم على قلوبهم, مخافة انتقال العدوى إلى دول الجوار, ومنها إلى المنطقة العربية.

ومع بداية الألفية الجديدة, و الذي تصادف مع تحركات أمريكية مكثفة, تزعمتها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة "كونداليزا رايس" تحت شعار "الشرق الأوسط الكبير", بدا الاتجاه المعلن لهذه السياسة الجديدة القديمة, هو تقسيم المقسم وتفتيت المفتت, فحدود "سايكس بيكو" التي قسمت المنطقة قديما, بدا أنها كانت مجرد مرحلة أولى, والجديد هذه المرة, هو انطلاق مخطط تقسيمي جديد, الذي قيل أنه سيبدأ من العراق, ليجتاح كل المنطقة العربية من خليج فارس شرقا و إلى المحيط الأطلسي غربا.

لكن يبدو أن الاستفتاء على انفصال كردستان العراق الذي جرى مؤخرا, كان بمثابة ورقة التوت التي سقطت عن الدول الغربية, و كشفت زيف اطروحاتها و سياسة الكيل بألف مكيال التي تنتهجها في المنطقة, حيث أدى وقوف دول وازنة في المنطقة كتركيا و الجمهورية الإسلامية الإيرانية ضد هذا التقسيم, إلى إعلان الجانب الأمريكي رفضه لهذا الاستفتاء على وزن مقولة "مكره أخاك لا بطل", وهو ما نال من فكرة "الحق في الانفصال" التي يُروج له غربياً, لتقسيم المقسم وتفتيت المفتت, وأعقب انتقال شرارة الانفصال إلى الغرب ذاته, فأقاليم في بريطانيا, بدت تفكر جدياً في الانفصال عن المملكة العجوز, لكن يبقى المثال الأكثر وضوحاً, هو مقاطعة "كتالونيا" بشبه الجزيرة الإيبيرية, على نحو يصلح معه استدعاء مقولة: "من حفر حفرة لأخيه وقع فيها".

فإقليم "كتالونيا" و كما يعرف الجميع لم يكن أبدا جزءاً من المملكة الإسبانية, لكنه ضم إليها بالقوة في سنة 1479, ومنذ ذلك التاريخ المبكر و"أهل كتالونيا" يطالبون بالانفصال, والانفصاليون – ويمثلون الأغلبية داخل الإقليم – هم ضد أن يقال عنهم أنهم إسبان, ولم يكن الاستفتاء الحالي هو الأول من نوعه, فقد سبقه عدة استفتاءات للانفصال أو للاستقلال, كان آخرها في نوفمبر 2014, لكن المحكمة العليا الإسبانية أبطلته بحجة أنه يخالف الدستور الإسباني.

وإزاء الدعوات الموضوعية للانفصال, اضطرت الحكومة الإسبانية إلى تقديم تنازلات سيادية كبيرة, بأن أقرت الحكم الذاتي لمقاطعاتها ومن بينها "كتالونيا", التي صار لها علم خاص ونشيد وطني و شرطة محلية و حكومة تنفيذية وبرلمان مستقل يتألف من 135 نائباً, والذي يدفعنا لوصف مطالب الكتالانيين بـ"الموضوعية", أنه فضلاً عن رغبة الأغلبية الكتالونية في الانفصال, وفضلاً عن أن "كتالونيا" لم تكن تاريخيا ضيعة من ضياع المملكة الإسبانية, فإن للكتالونيين لغتهم الرسمية بجانب اللغة الإسبانية.

لكن يبقى المثير في تطور صيرورة الأحداث, أن الحكومة الإسبانية لم يتوقف رد فعلها على رفض قرار حكومة "كتالونيا" وبرلمان المقاطعة على الاستفتاء, وإنما أرسلت بجيشها و قواتها الامنية للحيلولة دون ذلك بالقوة, حيث تناقلت وسائل الإعلام و الفضائيات و مواقع التواصل الإجتماعية صور رجال الأمن وهم يصادرون صناديق الاستفتاء, ويعتدون بوحشية على الكتالونيين السلميين, و قطعا لو كان الذي حصل إجراء عربي أقدمت عليه حكومة السودان أو المغرب مثلاً, لكان للاتحاد الأوروبي وللبيت الأبيض موقفاً آخراً, ولأعرب الأمين العام للأمم المتحدة عن شعوره بالقلق إلى آخر تلك الأسطوانة المشروخة.

غير أن العالم الغربي لم يتنكر لمبدأ الحق في تقرير المصير "المقدس", مجاملة للحكومة الإسبانية فقط, و لكنه قرار ذو خلفيات جيو-إستراتيجية غابرة, يهدف إلى محاصرة دعوات الانفصال الي أصبحت سلعة رائجة, على نحو صار يهدد تماسك دول الغرب ذاته, وكان الاستفتاء البريطاني بالخروج من الاتحاد الأوروبي و قبله إستفتاء أسكتلاندا, هو بداية سيناريو رهيب, يهدد البنيان التقليدي لكثير من هذه الدول, ولا يوجد ما يمنع من انتقاله إلى عقر البيت الأمريكي ذاته, وهو ما يعطل المرحلة الثانية من أجندات القوى الاستعمارية الكبرى, الذي بدأ بالتقسيم وحدود "سايس بيكو", و يريد الانتقال إلى تجزئة الدول الحالية, و تحويلها إلى كانتونات صغيرة و دويلات قزمية, عبر الوكلاء المحليين في المستعمرات القديمة, و هنا لا يغيب عن أذهاننا أنه كان من جملة أهداف الغزو الأمريكي للعراق, تفتيته على أسس طائفية و عرقية, لكن الجديد هذه المرة أن السلطات العراقية الحالية, لن يكون بمقدورها التسليم بانفصال إقليم كردستان, دون موافقة إيران اللاعب القوي في المنطقة, و هو ما يشكل تطور مهم في مواجهة مخططات تفتيت المنطقة.

فالموقف الغربي الرافض للاستفتاء الكردستاني, لا يشكل قيمة في حد ذاته, حتى و إن كانت الولايات المتحدة إلى جانب الرافضين للاستفتاء, فالقيمة الحقيقة تكمن في تدخل الحكومة الإسبانية بكل هذا المنسوب القمعي و التعسفي ضد الاستفتاء الكتالوني, إلى جانب صمت غربي مريب على هذه الإجراءات, و هو ما يمهد قطعا لبداية سقوط مخطط تقسيم المنطقة العربية, و نزع هالة التقديس عن مبدأ تقرير المصير, لكنه من جانب أخر سيقضي على الاستخدام المزدوج لبعض الأنظمة الديكتاتورية لفكرة الانفصال و الوحدة المقدسة, فهي ما تنفك تبرر الإستبداد و قمع الحريات و التلكؤ في إقامة نظم ديمقراطية حقيقية, في جوانب كثيرة منه, إلى مجابهة هذا المخطط الشرير, الذي يستهدف وحدتها الترابية و الوطنية, لكن من جانب آخر تقدم هذه الحكومات نفسها لقوى الاستعمار الجديد, سواءا عن قصد أو دون قصد, و من خلال سياساتها البائسة إتجاه مواطنيها, بأنها بسوء سياستها تلك, إنما تمهد الأجواء لاستكمال وظيفتها كعراب رئيسي للتفتيت والتقسيم, عندها سيصرخ الجميع و بصوت واحد: "بيدي لا بيد عمرو".