استمرار مافيا العقار بالداخلة في نهب الأراضي و الأملاك العمومية..فمن يوقف هذا الهدر الشنيع؟؟

Photostudio 1549309369645 960x680

 

بقلم: د.الزاوي عبد القادر-كاتب صحفي و مدير المركز الأطلسي الصحراوي للإعلام و الأبحاث و تحليل السياسات

مؤسف للغاية ما وصل إليه حجم قماقم الفساد بجهة الداخلة وادي الذهب، التي تضخمت نشاطاتها المشبوهة بشكل بات يطرح أكثر من علامة استفهام حول إشكالية مفهوم الدولة المغربية بشكل جذري، و مدى جدوائية كل الشعارات الرنانة التي شرخوا بها آذان المواطنين ردحا من الزمن، عن مبادئ من قبيل ربط المسؤولية بالمحاسبة و دولة المؤسسات و محاربة الفساد، الى آخر العنقود من الظواهر الصوتية التي لا يتجاوز مدى فاعليتها النصوص الورقية المخطوطة عليها.

و الأخطر من كل ما سلف ذكره، الإستهتار الأرعن و الفاحش بخطابات جلالة الملك محمد السادس، الذي كان و لا يزال يشدد خلالها على ضرورة تخليق المرفق الإداري العام، و القطع النهائي مع سياسة الريع البغيضة، و الضرب بيد من حديد على ايادي الفاسدين، و جعل المواطن المغربي و مصالحه في قلب السياسات العمومية للدولة، من طنجة و إلى تخوم لكويرة جنوبا.

لكن يبدو أن لمافيا العقار و الترامي على املاك الدولة و الأملاك العمومية للساكنة بجهة الداخلة، رأي آخر في الموضوع و غير معنيين نهائيا بمؤسسات الدولة الرقابية و خطب جلالة الملك السامية، ما داموا أصبحوا دولة داخل الدولة، في ظل حماية شاملة من جيوب فاسدة ممتدة داخل أجهزة الدولة السيادية العليا. انه التفسير الوحيد الذي يمكن من خلاله أن تفهم الساكنة سبب الغطرسة و "الدسارة" التي تظهرها مافيا نهب العقارات و الإستيلاء على أملاك الدولة العمومية، من خلال هجماتها الشرسة التي تشنها كل يوم على عقارات مخصصة للمصلحة العامة بمدينة الداخلة، كانت ستكون مساجد للقرب أو فضاءات خضراء للنزهة أو مرافق اجتماعية، فإذا بها تتحول بشكل إجرامي و غير قانوني إلى مشاريع خاصة مربحة لمستثمرين فاسدين و منتخبين متنفذين وضعوا ايديهم في يد الشيطان خدمة لجشعهم و مصلحة حساباتهم البنكية المتخمة بأموال حرام منهوبة من أفواه المحرومين و المفقرين و البؤساء، فلذات أكباد هذه الربوع المالحة و المستباحة.

لذلك لا غرو أن يتحول البعض في مدة زمنية وجيزة، من الحضيض إلى قمة الثراء، بينما لا تزال فئات واسعة من ساكنة الجهة و الصحراء تناضل من أجل لقمة عيش مرة استحالة إلى سراب، حتى بات الصحراويين يحرقون انفسهم بعد أن طفح بهم الكيل، و سدت في وجوههم جميع سبل العيش الكريم، من خميرة أموالهم العمومية المسروقة و ثرواتهم الطبيعية المنهوبة، زادها سوءا و استفحالا اصطفاف المنتخبين و النشطاء الحقوقيين و المدنيين إلى جانب الكعكة، حيث لهم مع مافيا الفساد و الاستيلاء على الأملاك العمومية مآرب كثيرة يقضونها، و ذلك على حساب الدفاع عن حقوق الساكنة المهضومة.

يذكرني هذا المشهد السريالي العدمي، بكتاب العالم و الفيلسوف العربي الدكتور مصطفى حجازي "الإنسان المهدور"، الذي تحدث فيه عن مفاهيم و ميكانيزمات الهدر الإنساني الذي يتعرض له الإنسان العربي، حيث يتجاوز مفهوم الهدر المالي و ظواهر الفساد الإداري إلى هدر إنسانية الإنسان نفسه، و يتسع ليشمل القهر الإنساني و هدر الفكر و طاقات الشباب و وعيهم، و هدر حقوق المواطنة الحقة. و يتفاوت الهدر بين انعدام الاعتراف بإنسانية الإنسان كحد اقصى، و بين إهماله و استبعاده و الاستغناء عن فكره و طاقاته بإعتباره عبئا و كيانا فائضا عن الحاجة كما هو شأن تعامل الأنظمة السياسية و الاوليغارشيات الاقتصادية التي تستأتر بخيرات الوطن و ترى في جحافل الجماهير المحرومة و المغبونة عبئا ثقيلا على رفاه المحظوظين و المحظيين.

و يؤكد "حجازي" في مؤلفه العظيم، أن الهدر سالف الذكر قد يحول الإنسان إلى أداة لخدمة أغراض العصبيات و الاستبداد، يضحى به في حروب النفوذ الذي يغذي اشتعالها، و يصبح الأداة التي تمجد حاكم أو سلطة مستبدة خدمة لأغراض هيمنتها و توسعة سطوة نفوذها، ما يضرب في الصميم مشروع وجود المرء و حقه في أن يصبح كيانا ذات قيمة و قائما بذاته.

لقد كثر الحديث بجهة الداخلة وادي الذهب، عن حالات الهدر المالي، و هدر الميزانيات الضخمة نتيجة سوء التدبير، و عمليات الإنفاق الممنهجة على مشاريع عبثية و غير مجدية، و عمليات وضع اليد على الأموال العامة و سلبها من خلال مشاريع وهمية، إضافة إلى مختلف ألوان العمليات الغير مشروعة من الصفقات و السمسرات المشبوهة التي تهدف إلى الإثراء الغير مشروع و تبادل المنافع مع مقاولين محظوظين و محظيين، ناهيك عن الهدر الشنيع و الإستنزاف الممنهج الذي تتعرض له الموارد الطبيعية و الثروات البحرية بالجهة. هدر رغم شناعته و استفحاله، أصبح للاسف الشديد أمرا عاديا، و قاعدة متأصلة، تعايشت معها سلطات الدولة الرقابية، و لم تعد للاسف الشديد تثير الفضائح، و لا حتى تخيف لوبيات الفساد المتجدرة فوق تراب الجهة.

لذلك اتسعت عمليات بلقنة و تبديد الرصيد العقاري بالجهة، و الاستيلاء على أراضي الملك الخاص للدولة، و بدأت تتسع معها قائمة المستفيدين الحصريين من هذه العقارات المنهوبة، لتشمل مستشارين منتخبين و زعماء سياسيين محليين ومقاولين فاسدين، اصبحوا يشكلون فيما بينهم لوبيات مدمرة، و احتكروا تقاسم الثروة و التمثيلية الإنتخابية و السياسية تحت شعار: "زيتنا فدقيقنا". حيث علمت من مصادر موثوقة، انه قد جرى تفويت مساحة أرضية كبيرة بحي النهضة لأحد المقاولين أفراد المافيا سالفة الذكر، كانت مخصصة لبناء مسجد، الى جانب مساحة عمومية أخرى ضخمة وسط الحي الحسني، حولت بطرق مافيوزية الى مشروع لبناء محطة وقود مملوكة لأحد المقاولين المحظوظين. -شاهدوا الصور-

وذلك في تعارض تام مع المقتضيات المتعلقة بشروط تفويت الملك الخاص للدولة المنصوص عليها في المرسوم الملكي رقم 2.02.185، الصادر في 5 مارس 2002، المتعلق بسن نظام عام للمحاسبة العامة، ولا سيما الفصل 82 منه الذي ينص بصريح العبارة على ما يلي: "يباشر بيع العقارات من ملك الدولة الخاص عن طريق المزاد العلني"، كما هو الحال أيضا مع عمليات انتزاع أراضي لحرايث من ملاكها الشرعيين بحجة المنفعة العامة، و إذا بها و حسب تقارير موثوقة وزعت تحت جنح الظلام على شكل بقع أرضية شاسعة على سياسيين متنفذين و مقاولين فاسدين، مقابل تعويضات من طينة الفتات و بقايا ما اكله السبع، وزعت على الساكنة المقهورة.

قولا واحدا، إن الثراء غير المشروع عن طريق استغلال السلطة والنفوذ و نظام الامتيازات و المكانة الانتخابية، مازال مستمرا بجهة الداخلة ضدا عن الدستور المغربي و التوجيهات الملكية السامية، تحولت معه الجهة إلى مزرعة خلفية لتغول قماقم الفساد و الريع، و سقط معه بشكل دراماتيكي مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة "الوهمي"، و كل مبادئ المواطنة الحقة و المساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين، لنصبح أمام حالة بائسة لهدر الإنسان، و التنكر لإنسانيته و عدم الاعتراف بقيمته و حصانته و كيانه و حقوقه المهدورة.

و عليه من السابق لأوانه في ظل كل هذا الوضع المشمئز، الحديث عن الديمقراطية و حقوق الإنسان ومشروع الجهوية المتقدمة و الحكم الذاتي إلى آخره من العناوين الجوفاء، لأنه لا عبور نحو الديمقراطية الحقة و دولة المؤسسات الراسخة، بدون استرداد المواطن لحقه في إنسانيته و مكانته،  من خلال القضاء النهائي على كل هذا الهدر الوجودي البشع الذي تتعرض له ساكنة الجهة على كافة الأصعدة، إنتهى الكلام.

Photostudio 1549308777645Photostudio 1549307552400 600x1036Img 20190124 030948