Photostudio 1552753591312 960x480

أخنوش؟ قبله…دمر بيرلوسكوني دولة

Photostudio 1558872408639 960x680

المركز الأطلسي الصحراوي للإعلام و أبحاث مكافحة الفساد و تحليل السياسات 

Hich1 e1543391307780 186x300بقلم: هشام روزاق

...الذين يراهنون على أخنوش اليوم، كرقم في ما يعتبرونه إعادة ترتيب معادلة السلطة بالمغرب، يعرفون أكثر من غيرهم أن هوامش الخسارة في هكذا مراهنة، هي أكثر بكثير من كل تفاصيل الربح التي قد تبدو مضمونة على المدى القصير.

نموذج أخنوش، تم تجريبه في كثير من دول العالم قبل المغرب، وتم اختباره حتى داخل جغرافيات الديمقراطيات المتقدمة، والنتائج… كانت دائما كارثية.

في إيطاليا مثلا، عاش الناس هناك ــ على مدى أكثر من عقدين ــ حكاية الملياردير بيرلوسكوني، الذي جاءت به لحظة الأزمة بداية تسعينات القرن الماضي.

على مدى أكثر من عقدين، تحكم بيرلوسكوني، ومركب المصالح الذي جاء به إلى الحكم، في كل شيء. في السياسة والاقتصاد و… وفي الإعلام.

ما الذي سيحدث في بلد كالمغرب، لم يحسم بعد نهائيا مع سؤال جوهر السلطة، لو فشلت وصفة أخنوش المقترحة؟… الذي سيحدث للأسف، لن يخبرنا به أخنوش وصحافيوه… ذلك أن الحروب، يخوضها جنودها، أما وحدات الإسعاف… فإنها تحصي الموتى والجرحى والمعطوبين فقط.

في الإعلام بالضبط، عاشت إيطاليا على مدى سنوات، ما يشبه صحافة الرأي الوحيد. فالملياردير بيرلوسكوني، أحاط نفسه بإمبراطورية إعلامية متكاملة، من قنوات تلفزية، وشركات إنتاج سينمائي وصحافة مكتوبة… ولم يحتج لأكثر من لغة المال، كي يستقطب إليه عددا من كبار الإعلاميين والصحافيين الإيطاليين، بمن فيهم بعض رموز صحافة اليسار وبعض كبار المثقفين.

… في المغرب، لم يفهم الكثيرون اليوم، أن 2011، وأساسا من خلال لحظتين مؤسِّستين فيها (حراك 20 فبراير وخطاب 9 مارس) وما تبع ذلك من تعديلات دستورية، لم يكن إعلانا عن دخول المغرب عهد “الملكية الثانية” التي تقطع فعلا مع العهد القديم كما كان مفترضا، بقدر ما كان إعلانا عن لحظة أزمة لا زالت مستمرة إلى اليوم.

أزمة… أدخلت الدولة لحظة تيه مزمنة، وخلخلت الكثير من معادلات حمضها النووي، لتجد نفسها في النهاية، غير قادرة على التحول إلى دولة ما بعد 2011 وغير قادرة أن تكون دولة التعديلات الدستورية وفصل السلط… وعاجزة حتى على الرجوع صراحة لدولة ما قبل ذلك.

في الطريق… أضاعت الدولة الكثير من مفرداتها ومعانيها، وأضاع الكثير من شركائها المفترضين الطريق نحوها … ونحو معنى وجودهم؛ ليكتشف الجميع، أن كل صمامات الأمان الضرورية للدولة قد انتفت، وأن أبسط حوادث السير المحتملة، قد تتحول إلى كارثة (احتجاجات الريف، جرادة…). مع ذلك، يصر جزء مؤثر في الدولة، على إعادة نفس الأخطاء، وعلى استعادة نفس عناوين المشكل، ليقدمها كحل.

على غرار نموذج بيرلوسكوني، أصبح الحل المطروح اليوم، هو الملياردير أخنوش، الذي بدا واضحا، منذ أن جيء به إلى التجمع الوطني للأحرار غداة الاستغناء عن خدمات مزوار، أن الخدمة الوحيدة المطلوبة منه، هي… “العمل على تغيير كل شيء كي… يبقى كل شيء كما هو”.

… كما بيرلوسكوني، يمتلك أخنوش ثروة هائلة (أغنى أغنياء المغرب ــ 2.2 بليون دولار، حسب تصنيف فوربيس 2018)، ويمتلك أذرعا اقتصادية مهمة، ويمتلك دعما سياسيا كبيرا من طرف مركب المصالح الذي دفع به إلى السياسة، لكن…عكس بيرلوسكوني، لا يمتلك أخنوش إمبراطورية إعلامية تسنده في مهمته. لا يمتلكها رسميا، لكن ذلك … ليس مشكلا في المغرب.

الذين يتابعون “حالة” (Le cas) أخنوش في الكثير من وسائل الإعلام المغربية، سيفهمون جيدا، أن الإمبراطورية الإعلامية، موجودة؛ وأنها كما بيرلوسكوني، استقطبت صحافيين وإعلاميين… الفرق الوحيد بينهم وبين رجالات بيرلوسكوني، يكمن فقط في القيمة… وفي القامة. لكن في النهاية…كما يستعد أخنوش لأداء مهمته، هناك أيضا وسائل إعلام معينة، فهمت المهمة التي تم تكليفها بها، وتقوم بدورها فيها… وإن كانت في أحيان كثيرة، تقوم بمهمة خصوم أخنوش وتقدم لهم أحسن الخدمات دون أن تدري.

في إيطاليا إذن، جربت جماعات الضغط ومركب المصالح هناك وصفة بيرلوسكوني، وقدمته كحل في لحظة أزمة، لتكتشف في نهاية المقامرة، أن انهيار نموذج الملياردير لم يصب بيرلوسكوني وحده، ولكنه أدى في نهاية المطاف، إلى انهيار معنى الدولة.

انهيار أتى على الاقتصاد والإعلام والسياسة، فكانت النتيجة في النهاية، صعود تيارات الشعبوية والتطرف اليميني، وموت الأحزاب التقليدية التي بنيت عليها الدولة.

كما يستعد أخنوش لأداء مهمته، هناك أيضا وسائل إعلام معينة، فهمت المهمة التي تم تكليفها بها، وتقوم بدورها فيها… وإن كانت في أحيان كثيرة، تقوم بمهمة خصوم أخنوش وتقدم لهم أحسن الخدمات دون أن تدري.

طبعا… الانهيار الذي نتحدث عنه هنا، حدث في إيطاليا، أي في دولة ذات تقاليد ديمقراطية ومؤسسات وفصل سلط وقضاء مستقل وإعلام حقيقي و…السؤال هنا:

ما الذي سيحدث في بلد كالمغرب، لم يحسم بعد نهائيا مع سؤال جوهر السلطة، لو فشلت وصفة أخنوش المقترحة؟

ما الذي سيحدث، حين يتم تغييب كل البدائل الممكنة، لفائدة بديل واحد، اختبر كثيرا في السابق، وتفوق دائما في الفشل؟

الذي سيحدث للأسف، لن يخبرنا به أخنوش وصحافيوه… ذلك أن الحروب، يخوضها جنودها، أما وحدات الإسعاف… فإنها تحصي الموتى والجرحى… والمعطوبين فقط.